المقبرة الملكية

تُعدّ من أغنى مقابر العراق القديم  المكتشفة حتى الآن، جرى الكشف عنها عام  ١٩٢٢، واستمر التنقيب فيها حتى عام  ١٩٣٤ من طرف تشارلز ليونارد وولي (رئيس البعثة المشتركة للمٌتحفين البريطاني وجامعة بنسلفانيا الأميركية).

بلغت أبعاد الموقع التنقيبي للمقبرة (٧٠ × ٥٥ متر)، ويصل إلى أعماق تتراوح بين ١٠  إلى ١٣ متراً، واحتوى على آلاف القبور، حُدد منها ستة عشر فقط على أنها ملكية، لضمها مقتنيات ثمينة. كما احتوت على بقايا (ما بين ٤ إلى ٧٤ شخصًا) من الحاشية الملكية المؤلفة من عسكريين ووصيفات وخدم، وكانوا بكامل ملابسهم وعدتهم وحليّهم. ولا يوجد تفسير علمي مقنع لظاهرة الدفن المشتركة هذه، بالرغم من تعدد الاجتهادات، لكن لم يُعثر في بلاد النهرين القديمة على أي مقابر مشابهة لها، من جهة طقس الموت الجماعي والضحايا البشرية المدفونين مع الملوك. كانت المدافن مؤلفة من عدة حجرات تحت الأرض، ومقببة بسقوف منفذة بطريقة العقادة. 

إضافةً الى القبور الملكية عُثر على مدافن عامة بلغ عددها (٢٠٠٠) قبر فردي بسيط،  يضم كل منها جثمان موضوع في تابوت خشبي، أو ملفوف بحصير من القصب، ومسجى على الأرض. 

يمكن تحديد أقدم طبقات هذه المدافن إلى عصر فجر السلالات السومرية الثالث (حوالي ٢٦٠٠ – ٢٣٣٤ ق.م).

 أغلب المقابر الملكية جرى نهبها، لكن بعض اللقى التي عُثر عليها متناثرةً تحمل أسماء لملوك من ذلك العصر، وهم:

  • (ميس- كلام- دوگ، ويعني أسمه بطل الأرض الطيبة)، وزوجته (نن- بادا)، وابن له اسمه (آ- كلام- دوگ، ويعني أسمه  مياه الأرض الطيبة). جرى التعرف عليهم جميعًا عن طريق أختام أسطوانية، وقطع من المقتنيات عُثر عليها متناثرةً في الموقع.
  • الأميرة أو الملكة  (بو- آبي، ويعني اسمها كلمة أبي) وكان اسمها يُقرأ سابقًا (شُبعاد). جرى التعرف عليها من خلال ختمها الأسطواني الذي يرد فيه اللقب إيريش ويعني ملكة. كان قبرها بحالة سليمة ولم يُنبش، وقد عُثر فيه على مقتنيات رائعة، شملت غطاء رأس يزن ما يقرب من ٢ كغم من  المصوغات الذهبية المطعمة بالأحجار الكريمة، و٣ كغم  أخرى لحُلي ذهبية ومقتنيات مختلفة.

معظم المدافن الملكية كانت تتألف من قبر مقبب من الطابوق محاط بما أسماه ليونارد وولي بـ(حفر الموت)، حيث تستلقي جثامين الحاشية الملكية، التي شملت عسكريين وخدمًا وموسيقيين، وأضخم هذه المواقع ما حدده بالاسم  (حفرة الموت الكبرى)، التي ضمت ما مجموعه ٧٤ جثة منها ٦٨ امرأة، ومن ضمنها كافة أدوات الزينة، والحلي النفيسة، والقيثارات الذهبية والفضية، وراية أور الملكية (وهي ربما صندوق موسيقي). يُعتقد أن أفراد الحاشية ربما انتحروا جماعيًا، أو جرت التضحية بهم، كنوع من طقس خاص غايته أن يتبع الخادم سيده لخدمته في الحياة الأخرى. حُفرة الموت هذه هي الدليل المادي الوحيد لهذه الممارسة (الفريدة) في العراق القديم، وترقى إلى حوالي (٢٥٠٠- ٢٤٠٠   ق.م).

عُثر فوق المقبرة الملكية على مقابر من العصر الأكدي (٢٣٣٤- ٢١٥٤ ق.م)، بينما جرى الكشف عن مقبرة أقدم تحت المقبرة الملكية ترقى إلى دور جمدة نصر (٣١٠٠- ٢٩٠٠ ق.م)، وكانت تصل إلى عمق  ١٧مترًا، وتقع إلى القسم الجنوبي من المقبرة الملكية، عُثِر في مدافنها على كِسر من الفخار واللِبن المتحلل. قام فريق وولي برفع ما يقرب من  ١٣٠٠٠ متر مكعب من  التراب، ونقله  للكشف عن هذه القبور. وقد وجِدت بقايا الهياكل داخلها  في أوضاع مثنية تشبه الجنين، وكانت إما ملفوفة بحصير من القصب، أو موضوعة في توابيت خشبية أو طينية بسيطة. في حين أن المقتنيات لم تكن متقنة الصنع كتلك التي عُثر عليها في المقابر الملكية، وقد شملت طبعات قديمة من الأختام، وفخارًا ملونًا، وأواني حجرية ، مما ساعد على تحديد دور جمدة نصر الحضاري وفهمه. ويبدو أن هذه المقابر تمثل الامتداد الاقدم لطبيعة هذا الموقع المهم والذي استمر آلاف السنوات.